text
stringlengths
219
55.8k
token_count
int64
72
16.4k
ليس من الضرورة أن يكون هذا الشيء هو ذاته الذي تبحث عنه كل امرأة في الرجل الذي تحب وإنما قد يكون شيئا خاصا بي أنا.. لم يكن " سعود " يستفز غريزتي.. كان يستفز روحي.. ولم تكن تصرفاته معي تنطوي على رغبات مبكرة.. على العكس من ذلك.. كانت براءته معي لا حدود لها..
92
في أحد المرات دخل علي الغرفة وأنا نائمة.. واقترب مني دون أن أشعر به وقبلني على خدي برفق شديد فاستيقظت ووجدته مرتبكا.. ناديته وقبلته فانطلقت روحه في المكان وراح يشاغبني بأسئلته الكثيرة. لم أضع حدودا بيني وبين " سعود "، كنت أعتبره أصغر إخوتي.. وقد أرتدي أمامه الملابس الخفيفة دون حرج.. أو يدخل علي وأنا أجفف شعري..
134
لكن المشكلة أن المسألة تمت بسرعة لم أتوقعها.. حتى أمي لم تخطط لذلك.. هل يستحق " سعود " ما يحدث له الآن مقابل خبر الزواج؟.. آه كم هو مؤلم أن أتخيل فقط كونه يعاني المرض من أجلي.. فكيف به الآن وهو في المستشفى غير قادر على الحركة.. على النطق.. ومن يدري ربما يصبح غير قادر على أن يستمر حيا..
102
ومن أين لي بمخلوق أيا كان يستطيع أن يقترب من روحي كما اقترب " سعود "؟.. ومن أين لي بإنسان تقدر له الحياة والبهجة والهافية ودهشة البراءة والطفولة؟.. يقدر لي كل ذلك تبعا لما يقدر لي أنا.. هل هو مني وأنا منه إلى هذا الحد دون أن أدري؟!.. كان يردد بأنه يرى صعود القمر في عيوني..
106
خرجت منه الممرضة.. سألتها بسرعة: - هذه غرفة " سعود "؟ - سعود نقل إلى العناية المركزة.. خفق قلبها ولم تستطع احتمال حالة الخوف.. فألقت بجسمها على الكرسي، والتقطت أنفاسها.. وبعد لحظات قاومت خوفها وانطلقت بسرعة إلى موقع العناية المركزة.. عندما وصلت إلى البوابة وتطلعت إلى الإضاءة الحمراء وتوقف بداخلها كل شيء إلا التفكير في ...
128
لم تعد تفكر حتى في الزواج من ابن خالتها.. إنها الآن مستعدة لأن تفعل كل شيء، وأن تتخلى عن كل شي من أجله هو.. لم تعد تفكر بأنها أكبر منه وأنه مجرد طفل صغير.. أدركت بقوة أنه وحده ينتمي إلى مخيلتها وحلمها وروحها وقالت في نفسها: " ذلك فقط هو ما يبقينا أحياء أمام بعضنا البعض "..
98
تطلعت إلى الحاجز الزجاجي.. كان " سعود " غافيا وثلاث ممرضات ينشغلن بترقب حالته.. تطلعت إلى أخته الواقفة عند الباب وطفرت من عينها دمعة.. فتحت الباب دون أن تكترث بالممرضة التي حاولت منعها.. اقتربت منه.. وانكبت عليه تقبله على وجهه ورأسه.. استيقظ " سعود " نظر إليها وصعدت أنفاسه.. رددت له بحنان شديد ودموعها في عينيها: - ألا ...
149
فجاوبها صوت بعيد ومتعب: - شفت القمر.....
17
فاضطر إلى أن يطوف بأربعة صفوف من السيارات إلى أن عثر عليها منزوية خلف ناقلة.. لم ينزعج فربما كان متوهما.. وربما تغيرت مواقع بعض السيارات.. اقترب من السيارة وبحث في جيبه عن مفتاحها فلم يجده.. أخذ يتحسس جيوبه كلها فظن أنه قد وقع من يده وهو يبحث عن السيارة..
103
استدرج نفسه مع هذا التفكير.. وأحس بشيء ثقيل.. شيء من الكآبة يغوص في صدره.. هل يعود ثانية لصعود الطوابق الأربعة من أجل لحظة نسيان غبية؟.. وهل سيظل هكذا.. ينسى المفتاح مرة، والملف مرة، والهاتف النقال مرة أخرى!!.. في كل مرة لا يسلم من تلك اللحظات التي ينسى فيها أمرا ينبغي أن يتذكره باهتمام وعناية..
116
استند بظهره على سيارته.. وتقلصت ملامحه.. وأخذ يتمتم بكلمات تلعن الحياة.. والدور الرابع.. والسيارة.. والذاكرة الموشومة بالنسيان.. لماذا يحدث له كل ذلك بشكل يومي؟.. ما المهمات الضخمة التي تشغله إلى درجة أنه لابد أن يتكرر له موقف النسيان إلى هذا الحد؟!.. - هل أستطيع أن أفكر بطريقة جديدة تخلصني من مثل هذه المواقف؟،
113
وهل يكفي أن أعتمد على التفكير بمنطقية شديدة في علاقتي مع جميع الأشياء!.. ينبغي علي إلا أنسى مرة ثانية.. ينبغي أن أرتب أفكاري وأحصر الأشياء التي سأذهب إليها أو من أجلها.. هكذا قرر مع نفسه وآلى على ألاينسى بالفعل.. وخطى نحو المبنى وبدأ يصعد السلم بخطوات ثقيلة وهادئة..
106
ويحاول أن يتذكر مع كل خطوة ماذا عليه أن يفعل حين يصل إلى الشقة.. ماذا عليه أن يأخذ؟.. وكيف يمكن له أن يقاوم هذا النسيان؟.. هل ينظم حياته؟.. إنه منظم بالفعل.. بل هو موظف إداري ناجح.. وقد أثنى عليه مديره مرات عديدة.. ولم يلاحظ عليه إهمالا أو نسيانا.. هناك أشياء ينبغي أن يربطها ببعضها البعض كي لا ينسى منها شيئا..
115
فالحياة كالسلسلة المتواصلة من الحلقات.. الشقة تقود إلى السيارة.. والسيارة تقود إلى العمل.. والعمل يقود إلى التعب.. والتعب يقود إلى الشقة.. والملل يقود إلى النوم أو إلى الشارع.. وإلى المقاهي وخاصة مقهى البحار الأربعة.. والأبواب تقود إلى أبواب.. نعم باب الشقة يقود إلى باب السيارة.. إذن مفتاح الشقة ينبغي أن يكون في ذات ال...
118
هذا يحتم علي ألا أنسى مفتاح السيارة ثانية.. لماذا غابت عني مثل هذه الفكرة.. إنها حل جذري لهذا المشهد التعس الذي أنا عليه الآن.. أوقفته هذه الفكرة فأخرج مفتاح الشقة وعلقه في إصبعه وراح يحدث نفسه: - لن أنسى مفتاح السيارة طالما هو مع هذا المفتاح.. كل الأشياء ترتبط ببعضها.. حين نفصلها نكون معرضين للنسيان بدون شك..
118
هكذا تجري أمور الحياة.. وبهذا الشكل لن أعترف بالنسيان في حياتي أبدا.. تغير إحساسه المكفهر ونسي اللحظات السابقة التي فكر فيها.. وفي لحظات تفكيره تلك لم يشعر بالمسافة التي قطعها على السلم فتقدم بخطى واثقة نحو باب الشقة وحاول أن يفتحه فلم يستطع.. حاول مرة ثانية وثالثة دون فائدة.. حدق في المفتاح جيدا لكن الباب لم ينفتح..
126
يئس وأعيته المحاولات.. وحين وقف متأملا ما هو عليه مستغربا.. انفتح باب الشقة وأطل منه رجل فقال له: - ماذا تفعل؟ هل تريد شيئا؟..- نعم.. لا.. لا.. كنت أحاول أن أفتح باب شقتي..- شقتك!! هذه ليست شقتك.. أنت في الدور الرابع ونحن في الدور الثالث.. ألا تميز بين رقم هذه الشقة - 11 - رقم شقتك (13) يا....•
120
لقد كنت أقول في نفسي منذ قليل بأن هناك شيئا ما استدعى مني أن أنسى مفتاح السيارة وإلا فأنا لست متعودا على النسيان.. أنا لم أتعود النسيان بالفعل.. هل هناك أخطر من أن أتعرض لحريق يلتهم هذه الشقة.. وربما العمارة كلها!.. ألا يدعو ذلك إلى نسيان أشياء تافهة وصغيرة كمفتاح السيارة..
111
إذن سأعتذر لنفسي وأعتبر أني لم أنس المفتاح أساسا وإنما قد أكون نسيت الماء على النار.. ولولا الهاتف الذي شغلني لما كنت قد تأخرت أو نزلت مسرعا من الشقة.."• قال ذلك وهو يهبط منتشيا بالفعل.. سعيدا بما تكشفه لحظات النزول من اندفاع.. - ياه ما أسهل النزول.. ما أجمل العودة.. ردد ذلك وهو يقترب من السيارة..
119
ويفتح الباب ثم يشغل محركها.. ويردد تلك العبارة وكأنه يغني: ما أسهل النزول.. ما أجمل العودة ما أسهل النزول.. ما أجمل العودة ولكن ما إن وضع إصبعه على زر تشغيل المكيف حتى توقف في داخله شيء.. فتح الباب ونزل من السيارة ووقف متطلعا إلى مبنى العمارة: "- يا إلهي لقد نسيت مكيفات الشقة مفتوحة..
115
هل أتركها وأذهب أم أعود ثانية إلى الشقة وأتأكد تماما من أن كل المكيفات مغلقة؟!.. الجو ليس حارا بالشكل الذي يستدعي ترك مكيفين يشتغلان ساعات طويلة ولا أحد في الشقة.. من يدري.. يا إلهي.. لقد كنت أقول في نفسي وأنا في الشقة منذ قليل أن النسيان ينبه إلى الأشياء الخطيرة في اللحظة المناسبة..
102
كدت أخرج من الشقة وأتركها تمتلئ بالغاز وتنفجر لولا أني نسيت مفتاح السيارة.. اللعنة.. ما أبشع ما يمكن أن يحدث لولا أني نسيت المفتاح.. وما أبشع ما يمكن أن يحدث لولا أني نسيت المكيفات.. ينبغي أن أتخيل ما وراء الأشياء حتى أفهم لحظاتي المنسية.. سأصعد ثانية دون أن أشعر بالمرارة هذه المرة..
114
سأغلق المكيفات.. وسأراقب كل شيء.. لا بأس من التأخر قليلا طالما سيؤدي ذلك إلى تجنب حادثة وربما كارثة.. من يدري.."• كان ينظر إلى مبنى العمارة وكأنه ينظر إلى كائن بشري ضخم.. يتطلع إلى النافذة في شقته بالطابق الرابع ويقول في نفسه: "- ربما تركتها مفتوحة.. ربما تركت نفسي أيضا.. أنا لست أنا..
118
لعلي لازلت هناك في الطابق الرابع.." • ابتسم في سخرية واتجه صوب المبنى.. لم يكن يسرع الخطى هذه المرة.. وضع يده على عمود في مقدمة المبنى وأخذ يتحسسه ويردد في داخله: "- حتى المباني.. نعم حتى هذا المبنى ربما يضمر لك شيئا.. ربما لا يريد أن تخرج منه.. ربما يطلب منك أن تحدثه وترثي له..
107
واصل صعوده إلى الدور الثاني والثالث وتوقف أمام الشقة رقم - 11 - وابتسم.. وتخيل ما حدث له قبل دقائق.. أحس بأن رأسه قد فرغ من كل شيء.. كأنه لم يعد يفكر في شيء.. إنه مقتنع هذه المرة بحتمية أن يصعد إلى الطابق الرابع وقد قرر أن يبعد رأسه عن زحمة الأفكار كي لا يكرر بعض المواقف السابقة..
108
لم أكن متعودا على النسيان!!.. قال ذلك دون أن يقصد السخرية من نفسه.. هناك شيء ينبغي أن يفهمه بالفعل.. هل ما حدث له نسيان؟.. وهل التصرفات التي بدرت منه تشير إلى إحساسه الجديد بمعنى النسيان؟.. تحركت سيارته بين صفوف السيارات.. كانت الساعة قد تجاوزت الثامنة صباحا.. وصل إلى نقطة الخروج بصعوبة..
105
تطلع إلى السيارات مستغربا.. فهذا الموقف الكبير وفي مثل هذه الساعة من كل يوم يكاد يخلو من السيارات فكيف هو مكتظ بالسيارات اليوم بالذات؟!.. حين خرج إلى الشارع العام أحس بالحركة الهادئة وشاهد المحلات المغلقة اكتشف بأن اليوم يوم عطلة.. لم ينزعج ولم يبدو عليه القلق.. ولم يعتبر ذلك نسيانا أو تصرفا ساذجا..
102